فوزي آل سيف
30
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
(ادعُوهُم لِآبَائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللَّهِ)[83]، فها هو عاد إلى نسبه الأصلي؛ المقداد بن عمرو البهرائي، لكن بقي الاسم السابق مشهوراً، وحيث أنه لم يكن له قبيلة تدافع عنه، فصار حاله في احتمال تعرضه للاضطهاد حال الكثير من المسلمين الذين كانوا مملوكين لأسيادهم، وهذا ما جعل النبي صلى الله عليه وآله، يأمره بالانضمام إلى القافلة الثانية المهاجرة للحبشة تحت قيادة جعفر بن أبي طالب (الطيار). وقيل إنه رجع من الحبشة إلى مكة مثلما رجع قبله بعض المسلمين الذين وردت إليهم أخبار بأن قريش قد أسلمت، فأمن هؤلاء المهاجرون ورجع قسم منهم إلى مكة، ليجدوا الخبر كاذبًا، وليتحينوا الفرصة من جديد للهجرة إلى المدينة، بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وآله، وحالف التوفيقَ المقدادُ عندما علم بمجيء سرية للمسلمين بعثها النبي بقيادة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي[84] في ثمانين مهاجرًا، ولم يكن بين الفريقين قتال لكن هذه المواجهة استفاد منها اثنان من المسلمين أحدهما المقداد لكي يتسلل إلى جانب المسلمين ويرجع معهم للمدينة. كان من الواضح عند المقداد أن في المسلمين الذين هم حول الرسول صلى الله عليه وآله بالمدينة، هم فئات ولهم اتجاهات، ففيما كان حوله منافقون وبعضهم قد مردوا على النفاق[85]، كان هناك قسم آخر يعيشون في ظل الدعوة الإسلامية،" في رفاهية من العيش وادعون هانئون يتربصون الدوائر، وينكصون عند النزال ويفرون من القتال"[86]، ويعيدون إنتاج وصياغة المجتمع القرشي بطلاء جديد وبالبسملة قبل كل عمل!! وكان هناك أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله الذين كانوا أشد التزامًا بأوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وأسرع مبادرةً إلى الجهاد ورمزهم ورأسهم هو علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان من الطبيعي أن يلتحق المقداد بهؤلاء الرساليين، ويلتصق بهم حتى صار منهم فإذا به يصبح واحدًا من الأركان الاربعة في المنتمين لأهل البيت عليهم السلام، وإذا به يكون ممن يحبه الله، ويوحي إلى نبيه أن يحبه ويحب أربعة استثنائيين[87]، وإذا كان الغير يشتاق إلى الوصول إلى جنة الله الباقية، فإن الجنة كانت هي التي تشتاق للمقداد وللنفر المذكورين.[88] بدر ومقولة تشترى بحمر النعم: لم يكن من السهل على قريش وهي التي تحكمت في العرب، بأكذوبة الأصنام وبما زعمته من كونها مسؤولة عن المسجد الحرام، وبما فرضته على مخالفيها من عقوبات اقتصادية واجتماعية، بل وتعذيب بدني وقتل، لم يكن سهلًا عليها أن يكسر رسول الله صلى
--> 83 ) سورة الأحزاب، ألآية 5 84 ) السهيلي:الروض الأنف ت الوكيل ٥/٥٢:[سَرِيّةُ عُبَيدَةَ بنِ الحارِثِ]:وهِيَ أوّلُ رايَةٍ عقدها صلى الله عليه وآله قالَ ابنُ إسحاقَ: وبعثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله، فِي مُقامِهِ ذَلِكَ بِالمَدِينَةِ عُبَيدَةَ بنَ الحارِثِ بنِ المُطّلِبِ بنِ عَبدِ مَنافِ بنِ قُصَيّ فِي سِتّينَ أو ثَمانِينَ راكِبًا مِن المُهاجِرِينَ، لَيسَ فِيهِم مِن الأنصارِ أحَدٌ، فَسارَ حَتّى بَلَغَ ماءً بِالحِجازِ، بِأسفَلَ ثَنِيّةِ المُرّةِ، فَلَقِيَ بِها جَمعًا عَظِيمًا مِن قُرَيشٍ، فَلَم يَكُن بَينَهُم قِتالٌ، إلّا أنّ سَعدَ بنَ أبِي وقّاصٍ قَد رُمِيَ يَومَئِذٍ بِسَهمٍ، فَكانَ أوّلَ سَهمٍ رُمِيَ بِهِ فِي الإسلام. ثُمّ انصرف القوم عن القوم، وللمسلمين حامية. وفَرّ مِن المُشرِكِينَ إلى المُسلِمِينَ المِقدادُ بنُ عَمرِو البَهرانِيّ، حَلِيفُ بَنِي زُهرَةَ، وعُتبَةُ بنُ غزوان ابن جابِرٍ المازِنِيّ، حَلِيفُ بَنِي نَوفَلِ بنِ عَبدِ مَنافٍ، وكانا مُسلِمَينِ، ولَكِنّهُما خَرَجا لِيَتَوَصّلا بِالكُفّارِ. وكانَ عَلى القَومِ عِكرِمَةُ بنُ أبِي جَهلٍ. 85 ) التوبة: 101 (وَمِمَّن حَولَكُم مِنَ الأَعرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِن أَهلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعلَمُهُم نَحنُ نَعلَمُهُم..) 86 ) هكذا وصفت السيدة الزهراء فاطمة حالة أعيان المجتمع القرشي من المهاجرين! راجع في تحليل موقف هذه الجماعات في المجتمع المدني، كتابنا: إني فاطمة وأبي محمد. 87 ) قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ١/١٣٢ "وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم»، قيل يا رسول الله سمهم لنا؟ قال: «عليٌّ منهم -يقول ذلك ثلاثا- وأبو ذر، والمقداد، وسلمان» ومثله الشيخ الطوسي في اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ١/ ٨٦ 88 ) الطبراني: المعجم الكبير ٦/٢١٥ قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله: «إنَّ الجَنَّةَ تَشْتاقُ إلى أرْبَعَةٍ: عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، والمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ ».والسيد ابن طاووس في كتاب اليقين/ ١٧٩.. في حديث طويل.. فقال (علي بن أبي طالب): بأبي وأمي يا رسول الله، أعلمني أنس أنك قلت (إن الجنة مشتاقة إلى أربعة من أمتي) فمن هم؟ فأومئ إليه بيده فقال: أنت والله أولهم، أنت والله أولهم، أنت والله أولهم، ثلاثا. فقال له: بأبي وأمي، فمن الثلاثة؟ فقال له: المقداد وسلمان وأبو ذر.